أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
213
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
436 - ربّ همّ فرّجته بعزيم * وغيوب كشّفتها بظنون « 1 » فاستعمل الظنّ استعمال اليقين مجازا ، كما استعمل العلم استعمال الظنّ كقوله : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ « 2 » ولكنّ العرب لا تستعمل الظنّ استعمال اليقين إلا فيما لم يخرج إلى الحسّ والمشاهدة كالآيتين والبيت ، ولا تجدهم يقولون في رجل مرئيّ حاضرا : أظنّ هذا إنسانا . والقول الثاني : أنّ الظنّ على بابه وفيه حينئذ تأويلان : أحدهما ذكره المهدوي والماوردي وغيرهما : أن يضمر في الكلام « بذنوبهم » فكأنهم يتوقّعون لقاءه مذنبين . قال ابن عطية : « وهذا تعسّف » . والثاني من التأويلين : أنهم يظنّون ملاقاة ثواب ربهم لأنهم ليسوا قاطعين بالثواب دون العقاب ، والتقدير : يظنّون أنهم ملاقو ثواب ربّهم ، ولكن يشكل على هذا عطف « وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » فإنه لا يكفي فيه الظنّ ، هذا إذا أعدنا الضمير في « إليه » على الربّ سبحانه وتعالى ، أمّا إذا أعدناه على الثواب المقدّر فيزول الإشكال أو يقال : إنه بالنسبة إلى الأول بمعنى الظنّ على بابه ، وبالنسبة إلى الثاني بمعنى اليقين ، ويكون قد جمع في الكلمة الواحدة بين الحقيقة والمجاز ، وهي مسألة خلاف و « أن » وما في حيّزها سادّة مسدّ المفعولين عند الجمهور ، ومسدّ الأول ، والثاني محذوف عند الأخفش ، وقد تقدّم تحقيقه . و « ملاقو ربّهم » من باب إضافة اسم الفاعل لمعموله إضافة تخفيف لأنه مستقبل ، وحذفت النون للإضافة ، والأصل ، ملاقون ربّهم . والمفاعلة هنا بمعنى الثلاثي نحو : عافاك اللّه ، قاله المهدوي . قال ابن عطية : « وهذا ضعيف ، لأنّ « لقي » يتضمّن معنى « لاقى » . كأنه يعني أن المادة لذاتها تقتضي المشاركة بخلاف غيرها من : عاقبت وطارقت وعافاك . وقد تقدّم أن في الكلام حذفا تقديره : ملاقو ثواب ربّهم وعقابه . قال ابن عطية : « ويصحّ أن تكون الملاقاة هنا الرؤية التي عليها أهل السّنّة وورد بها متواتر الحديث » ، فعلى هذا الذي قاله لا يحتاج إلى حذف مضاف . « وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » عطف على « أنّهم » وما في حيّزها ، و « إليه » متعلق ب « راجعون » ، والضمير : إمّا للربّ سبحانه أو الثّواب كما تقدّم ، أو اللقاء المفهوم من « ملاقو » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 47 إلى 48 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) قوله تعالى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ : « أنّ » وما في حيّزها في محل نصب لعطّفها على المنصوب في قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ أي : اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم ، والجارّ متعلّق به ، وهذا من باب عطف الخاصّ على العامّ لأن النعمة تشمل التفضيل . والفضل : الزيادة في الخير ، واستعماله في الأصل التعدّي ب « على » ، وقد يتعدّى ب « عن » : إمّا على التضمين وإمّا على التجوّز في الحذف ، كقوله : 437 - لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب * عني ولا أنت ديّاني فتخزوني « 3 »
--> ( 1 ) البيت في الأضداد ( 15 ) ، القرطبي ( 1 / 376 ) . ( 2 ) سورة الممتحنة ، آية ( 10 ) . ( 3 ) البيت لذي الأصبع انظر الخصائص ( 2 / 288 ) ، مجالس العلماء ( 71 ) ، المقرب ( 1 / 197 ) ، أمالي ابن الشجري